عماد الدين خليل
287
دراسة في السيرة
تجريد كتيبتين من خمسمائة فارس لحراسة المدينة والطواف في أحيائها ورفع معنويات أهاليها . ويحدثنا أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه فيقول : « لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان . . فكان مما رد اللّه به بني قريظة عما أرادوا أن المدينة كانت تحرس » « 1 » . وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يبعث العيون من جهته إلى بني قريظة لكي يجيئوه بأماكن خللهم ونقاط ضعفهم « 2 » وقد تمكن عشرة من أشداء اليهود من التسلل يوما إلى أطراف المدينة فتصدى لهم نفر من المسلمين واشتبكوا معهم في قتال بالنبال أسفر عن تراجع اليهود واحتمائهم بحصونهم ، وسيطر الرعب عليهم « فلم يقدروا أن يطلعوا من حصنهم وخافوا خوفا شديدا » « 3 » . وصمد المسلمون لمحنة ( الأحزاب ) وتمكنوا من دحر أخطر هجوم في تاريخ دعوتهم ، فتفككت عرى الأحزاب وقفلت عائدة إلى ديارها ، وحان الوقت لإنزال العقاب العادل بالجماعة اليهودية التي نقضت العهد في أخطر ساعة عاشها المسلمون . جاء جبريل عليه السلام إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وسأله : أوقد وضعت السلاح يا رسول اللّه ؟ أجاب الرسول : نعم . فقال جبريل : فما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم . إن اللّه عزّ وجلّ يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم . فأمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم مؤذنا يؤذن في الناس ( من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة ) « 4 » ، إسراعا بالمسلمين إلى هدفهم واستنهاضا لهم بعد الجهد والعناء الذي أصابهم خلال أيام الحصار الشاقة . لقد أدرك الرسول صلى اللّه عليه وسلم بثاقب فكره أهمية الوقت في الحصول على نتائج باهرة في القتال ، فلو أنه أبطأ في حركته هذه لاستفاد اليهود من الوقت في الاستعانة بحلفائهم ، أو إقناع اليهود الآخرين بمعاونتهم ، أو التشبث بالحصول على قوات من القبائل لتدعيم قوتهم ، ولكان بإمكانهم إكمال قضاياهم الإدارية
--> ( 1 ) الواقدي ، 2 / 460 . ( 2 ) المصدر السابق 2 / 461 - 462 . ( 3 ) المصدر السابق 2 / 462 . ( 4 ) ابن هشام ص 223 ، الطبري : تاريخ 2 / 581 ، ابن سعد 2 / 1 / 53 - 55 ، الواقدي : 2 / 496 - 499 ، البلاذري : أنساب 1 / 347 - 348 .